عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
284
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وأما من حيث النسب ، فلما ذكروا أن المغربي أزدي ، والمشرقي حكمي ، ولعل ابن هانىء المغربي المذكور وهو الذي وقع بينه وبين المتنبي ما يحكى من القصة العجيبة عنده وصوله إلى قابس لمدح صاحب الإفريقية . وقد ذكرتهما في آخر علم البديع من كتاب منهل المفهوم في شرح ألسنة العلوم فإن الشاعر الذي ذكروا أنه رد المتنبي عن ملاقاة صاحب الأندلس ، ومدحه بالجملة التي ذكرها داهية في المكر ، فإنه حكى أن المتنبي لما خيم بإزاء قصره في زي أمير في الحشمة والغلمان والخدم والخيل والأتباع والحشم ، فزع صاحب قابس من ذلك ، وسأل عنه ، فلما قيل له : إنه شاعر أتى ليمدحك ، كره ذلك وقال : أي شيء يرضي صاحب هذه الهيئة ، ويقنعه من الجائزة ؟ فقال شاعره أنا أرده عنك ، وغالب ظني أنهم قالوا إنه ابن هانىء ، فقال له . بأي وجه ترده عني . فقال : بوجه جميل ، فقال : افعل فأخذ شاة رديئة ولبس لباس بدوي ، وجعل يقود الشاة متوجهاً إلى جهة منزل المتنبي ، وهو في مخيم كأنه مخيم أمير ، فلما قرب منه قال : طرقوا إلى الأمير ، فصاروا يضحكون عليه ، ويتعجبون منه . فلما وصل إليه وهو يقود الشاة في تلك الهيئة التي اتصف هو وشاته بها ضحك منه ، هو ومن حوله ، وقال له : ما هذه الشاة ؟ قال : هذه جائزتي من الملك . قال : جائزة ؟ فال : نعم ، قال : جائزة علام ذا . قال : على مدحي له . فتعجب من ذلك وقال : عسى أن تكون جائزته على قدر مدحه ، ثم قال له : أسمعني مدحك له ، كيف قلت فيه ؟ قال : قلت : ضحك الزمان وكان قدماً عابساً * لما فتحت يجد عزمك قايسا أنكحتها عذراء وما أمهرتها * إلا فتى وصوارماً وفوارسا من كان بالسمر العوالي خاطباً * جلبت له بيض الحصون عرائسا فتحير المتنبي عند سماع شعره وقال : أنا ما أقدر أقول مثل هذا الذي أجازك عليه بهذه الشاة ، فارتحل راجعاً من حيث جاء ، هكذا حكى لي بعض أهل الخير ممن له إلمام ومعرفة ببعض الشعراء من جهة المغرب ، أو ما يقرب منها ، بهذا اللفظ أو ما يقرب منه معناه . ولكن ما رأيت أحداً من المؤرخين ذكر للمتنبي دخولاً إلى بلاد المغرب . والله أعلم . سنة ثلاث وستين وثلاث مائة فيها ظهر ما كان المطيع يستره من الفالج ، فثقل لسانه ، فدعا حاجب السلطان